قصةُ نجاحٍ ابتدأت بحلم

سهام القرضاوي تروي حكايةَ جِدٍّ أوصلها للأستاذية في الكيمياء العضوية

غزة_ ميسرة أبو عليان

بصوتٍ مرتجف، وكلماتٍ معبرة عن معاني الحب الممزوج بالفخر تحدثت الابنة عن والدها، فارتسمت في عقل السامع صورةٌ ورديةٌ عن ذاك الوالد القدوة الذي يمثل لابنته الحياة كما قالت، تعلمت منه الابنة كيف تكون أماً وربة بيت، كيف تكون داعيةً وأستاذةً وعالمة. لقد كان الأب مدرسةً يجد فيها اللاجئ إليها ضالته، إنه الشيخ العلامة الغني عن التعريف يوسف القرضاوي، أما الابنة التي تعرض اليوم قصة نجاحها كأستاذة الكيمياء العضوية في جامعة قطر فهي سهام، البنت الثانية للدكتور القرضاوي. التقينا الأستاذة الدكتورة سهام يوسف القرضاوي عبر الفيديو كون فرنس في قاعة المؤتمرات الكبرى في الجامعة الإسلامية بغزة؛ لنتعرض لمحطاتٍ مهمة في حياتها المزدحمة بالإنجاز الذي رأته العيون قبل أن تسمع عنه الأذان.

نقطة الانطلاق

حيرةٌ كبيرة تلك التي عاشتها سهام محاولةً اختيار الفرع المناسب لها في الثانوية العامة، لكنها قطعت تلك الحيرة بالتوجه للفرع العلمي الذي يحتضن الكيمياء كمكون أساسي من مكوناته، وهي التي تحب الكيمياء بشدة. أنهت الثانوية العامة بمعدل 92% من مدرسة آمنة بنت وهب الثانوية في قطر منذ ما يقارب 40 عاماً؛ لتواجه محطةً محيرة أخرى تفوق حيرة اختيار الفرع، فالحيرة هذه المرة تتمثل في اختيار التخصص الجامعي الذي ترتكز عليه الحياة فيما بعد. لم تجد سهام وقتها إلا أن تُحكّم حبها في اختيار التخصص، فدفعها حبها للكيمياء إلى دراستها في جامعة قطر، لتتخذ من بداياتها المحيرة هذه منبراً توجه من خلاله نصيحتها للطلاب بسؤال أهل الخبرة والاختصاص قبل اختيار التخصص الجامعي ومكان الدراسة، فأمرٌ غير مجدٍ أن يضيع الإنسان جهده في تخصصٍ وجامعات غير مناسبة، مبينةً أن اختيار التخصص لا بد وأن يخضع لحب الطالب لا لنظرة الناس، فعلى الإنسان أن يتوجه مباشرةً إلى المجال الذي يرى أنه سيبدع فيه.

تخرجت سهام من البكالوريوس في جامعة قطر عام 1981م بتقدير امتياز وبترتيب الأولى على دفعة العلوم في تخصص الكيمياء والثانية على جامعة قطر.

لم تتوقف رحلة سهام العلمية في ظل وجود مسؤولياتٍ تفرض نفسها أمام المرأة في الحياة كالزوج والأبناء، فهذه المسؤوليات لم تكن عثرة في طريقها، حيث استمرت في سعيها لإكمال الحلم الذي بدأت به يوم أن درست الكيمياء، لقد أكملت الماجستير في جامعة عين شمس في القاهرة؛ لتنتقل إلى محطةٍ علمية فريدة وزاخرةٍ بالمفيد والمثير.

عالمٌ جديد

بعد الانتهاء من الماجستير كانت سهام على موعد مع نجاح كبير عبرت عنه بأنه من أفضل الأشياء التي حدثت لها، حيث توجهت إلى جامعة (ريدينغ) في بريطانيا لدراسة الدكتوراه،  فاختلطت بأوساط متباينة معها في اللغة والدين والعادات وأنماط الحياة وكذلك الثقافة، لكنها صنعت من هذه التحديات التي قد تُعثر البعض سلالم تصعد بها إلى مراتب أعلى، فبِجدٍ لا يعرف الفتور، وبعزيمة لا تعرف الكلل أو الملل تحدت هذه الصعوبات واندمجت مع التغيرات مستفيدةً من كل تفصيلةٍ من تفاصيل حياتها هناك، فهذه الفترة الغنية في حياتها  التي لا تتكرر -كما وصفتها- جعلتها تتعلم كيف تكون سفيرة للإسلام واللغة، وجعلت نظرتها للأمور تتغير فلا يكون كل همها الدراسة على الرغم من أهميتها، لقد زارت أماكن جديدة هناك وتعرفت على أشخاص كثر، لم تخف من اكتشاف خيارات جديدة ولم تهمل نصائح المشرفين الذين قد يعرفون الإنسان واحتياجاته أكثر من نفسه،  داعيةً من تمكنهم الظروف من الحظي بتجربة كتجربتها الاستفادة من محطاتها، وأن يروا المجتمعات الغربية أفضل ما في الإسلام، ليكونوا للإسلام واللغة سفراء.

وفي عام 1992م سبق اسم سهام درجة علمية يقف الانسان أمامها وقفة احترام وشعور بالمكانة، لقد نالت فيها سهام درجة الدكتوراه.

مناصب ومراتب

بعد أن أنهت سهام درجة الدكتوراه عادت إلى جامعتها الأم _جامعة قطر_ التي منها بدأت مشوارها العلمي في تخصص الكيمياء، تدرجت في العمل الأكاديمي في جامعة قطر حتى حصلت على درجة أستاذ مشارك في أكتوبر عام 2004م، وخلال هذه الفترة ساهمت بشكل كبير في التطوّر الأكاديمي والمهني لطلاب هذه الجامعة، ثم عينت في العام ذاته الذي حصلت فيه على درجة أستاذ مشارك رئيسةً لقسم الكيمياء، وفي عام 2005م عينت عميدة كلية الآداب والعلوم مستمرة في هذا المنصب حتى عام 2010م، ومن عام 2012م وحتى الآن تمثل سهام بروفيسور الكيمياء العضوية في جامعة قطر.

وخلال عملها في الجامعة قادت كلية العلوم نحو عدد من الإنجازات الهامّة مثل: اعتماد برنامج الكيمياء من قبل الجمعية الكندية للكيمياء، واعتماد برنامج العلوم الحيوية الطبية من قبل وكالة الاعتماد الوطنية لعلوم المختبرات السريرية بالإضافة إلى استحداث كلية الصيدلة.

أما على صعيدها الشخصي فقد نشرت أكثر من 35 بحث محكم في عدد من المجلات الدولية الرائدة، ولها أكثر من 500 اقتباس حسب مؤشر (اتش) الخاص بها، كما حرصت على  تقديم  نتائج أعمالها البحثيّة في العديد من المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية، ودُعيت للتحدّث في عدد من الندوات والمؤتمرات، إضافة إلى اشرافها على عدد من مشاريع التخرج لطلاب تخصص الكيمياء، وتحكيمها للعديد من الابحاث لمجلات كيميائية عالمية، وحصولها على عدد من المنح البحثية التنافسية من الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، بما في ذلك ستة مشاريع بحثية ضمن برنامج الأولويات الوطنية للبحث العلمي وبرنامج خبرة الأبحاث للطلبة الجامعيين.

أما عن اهتماماتها البحثية فهي في محاور عدة، أهمها: أبحاث حول محاولة تقليل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، والخلايا الشمسية المصنعة من مواد عضوية بالإضافة إلى أبحاث في مجال بطاريات الليثيوم التي تواجه تحديات كبيرة خاصة بعد المشاكل التقنية التي واجهت جهاز محمول (جالكسي نوت 7 ).

أعلامٌ وأضواء

ومن باب عدم نكران الجميل ونسب الفضل لأولي الفضل، وقفت سهام أمام محطة تُعدها مهمةً للحديث عنها، حيث أفردت من حديثها جزءً كبيراً لمن لهم فضل عليها من أكاديميين مرت بهم في مسيرتها العلمية، أمثال أ.د. عبد الماجد سمور _رحمه الله_ الذي كانت بدايات تعلمها للكيمياء على يديه، ما جعلها تتخذ قرارها في اختيار التخصص واتباع طريقته في توصيل المعلومة للطلبة فيما بعد، أما أ.د. محمد فتحي سعود فخطه المطبعة إذا كتب، وصوته الواضح إذا تحدث ورسمه اللوحة الفنية إذا عبر عن الخلايا، و أ.د. ماجد أبو غربية تعلمت منه سهام التواضع الفعلي، تواضع العلماء الذين لم يتمكن الغرور من قلوبهم بعد بلوغ أعلى المراتب، ولم تنسَ الإشارة إلى تعامله المميز مع فريق الأبحاث.

كان على سهام أن تطرق جدران خزان حياتها العامر بالمفيد؛ لتخرج منه بنصائح تقدمها لطلابٍ هم بأمس الحاجة إليها، لم يتسع المجال للكثير منها لكن شيء يسير منها كافٍ ليضيء في حياة الكثيرين شمعة. تعلم كيف تقول ” لا ” وأن تشعر بعد قولك بأن الأمور على ما يرام، هذا ما قالته سهام لمن يخافون من كلمة ” لا”. ووجهت رسالتها للساعين في الحياة بأن يستفيدوا بأقصى ما يمكنهم من الفرص التي تصادفهم، فالمهنة بنظرها يصعب التخطيط لها ورسم مسارها. كما أنها ركزت على البحث العلمي ودعت الأفراد لإنجازه قبل تقلد أي منصب إداري.

ختمت د. سهام حديثها برغبتها في خلق جيلٍ يكمل المسيرة التي بدأتها، فقد قدمت في حياتها الكثير من أجل أن ترفع مكانة العلم، واليوم هي وجامعتها في سعيٍ لاستقطاب الطلاب القطريين المميزين الذين على عاتقهم تقع مسؤولية إكمال الطريق.